خطة دولة قطر لتحالف الحضارات

المنطلقات

ترتكز خطة دولة قطر لتحالف الحضارات على مجموعة من المبادئ المستمدة من الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى احترام الأديان وحماية أتباعهم وشعائرهم الدينية وحفظ حقوقهم، وكذلك على الحضارة العربية الإسلامية التي رفدت التاريخ الإنساني بقيم التسامح والتعاون بين الأمم والشعوب والأديان، ومن مبادئ الأمن والسلم الدوليين، ومبادئ حقوق الإنسان التي أقرها المجتمع الدولي الأمر الذي يعكس ديناميكية البيئة المجتمعية القطرية التي باتت نموذجا للتعايش الثقافي والسلم الأهلي في إطار تركيبة اجتماعية متعددة الأعراق والأديان والحضارات، وقد تجسد ذلك في تبوء دولة قطر قائمة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر السلام العالمي لعام 2013 م، حيث حصلت دولة قطر على المرتبة الأولى عربيا والتاسعة عشر دوليا ، علما بأن تقرير السلام العالمي يعتمد معايير عدة منها: "انخفاض الجريمة، مستوى احترام حقوق الإنسان، فرص التعليم والصحة، وغياب الصراعات والتوترات الاجتماعية.


وتتمثل المرجعيات الأساسية للخطة بالآتي:


  1. الدستور الدائم للدولة والتشريعات:  

     

    أكد دستور دولة قطر على أن المجتمع القطري يقوم على "دعامات العدل، والإحسان، والحرية، والمساواة، ومكارم الأخلاق" )مادة 18 (، وأن "الناس متساوون أمام القانون، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين" )مادة 35 (، ولكل فرد الحق في مخاطبة السلطات العامة )مادة 46 (. كما أكد على مبادئ السلم والأمن الدوليين، وعلى دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام )مادة 7(. وفي مجال التعليم أكد الدستور على أن "التعليم دعامة أساسية من دعائم تقدم المجتمع، تكفله الدولة وترعاه، وتسعى لنشره وتعميمه" )مادة 25 (. وفيما يتعلق بالشباب أقر الدستور رعاية الدولة للنشء وصونه من أسباب الفساد، وحمايته من الاستغلال ومن الإهمال، وضرورة توفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاته في شتى المجالات )مادة 22 (. وفي مجال الهجرة كفل الدستور الحرية الشخصية ومنع تقييد حرية الشخص في الإقامة والتنقل إلا وفق أحكام القانون )مادة 36 ( كما كفل حرية الرأي والبحث العلمي )مادة 47 (، وأن العلاقة بين العمال وأرباب العمل أساسها العدالة الاجتماعية )مادة 30 (، وكفل حرية العبادة للجميع، وفقا للقانون ومقتضيات حماية النظام العام والآداب العامة )مادة 50 (، ويتمتع كل شخص مقيم بالدولة إقامة مشروعة بحماية لشخصه وماله )مادة 52
    بالإضافة إلى ما أشار إليه الدستور، فإن التشريع القطري كان واضحا في تجسيد الحماية القانونية لفكرة تحالف الحضارات، وذلك كما أكدت عليه القوانين التالية:

    • قانون المطبوعات والنشر رقم ) 8( لسنة 1989 م، حيث نصت المادة ) 47 ( منه على "عدم جواز نشر كل ما من شأنه بث روح الشقاق بين أفراد المجتمع أو إثارة النعرات الطائفية أو العنصرية أو الدينية".
    • قانون العقوبات القطري رقم ) 11 ( لسنة 2004 م، والذي نص في المادة ) 256 ( منه على "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سبع سنوات كل من ارتكب فعلا من الأفعال الآتية:

      1. سب أحد الأديان السماوية المصونة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
      2. التطاول على أحد الأنبياء باللفظ، أو الكتابة، أو الرسم، أو الادعاء، أو بأي طريقة أخرى.
      3. تخريب أو تكسير أو إتلاف أو تدنيس مبانٍ، أو أي شيء من محتوياتها إذا كانت معدة لإقامة شعائر دينية لأحد الأديان السماوية المصونة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية".
     

     


  2. توجيهات القيادة السياسية:

     

    أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في أول خطاب له غداة تسلمه مقاليد الحكم في 26 يونيو 2013 على أن دولة قطر ترفض الطائفية، حيث قال سموه "نحن كمسلمين نحترم التنوع في المذاهب ونحترم كل الديانات في بلدانا وخارجها".


    وفي كلمته أمام المنتدى الرابع لتحالف الأمم المتحدة للحضارات الذي عقد بالدوحة في شهر ديسمبر 2011 أشار حضرة صاحب السمو الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى أن دولة قطر من الدول السبّاقة التي تولي اهتماما كبيرا للحوار والتحالف بين الحضارات، حيث جاء في هذا السياق أن الاهتمام بالتعليم يقع في صلب استراتيجية قطر وتنميتها البشرية، وذلك إيمانا بأن التعليم الجيد يعزز قيم التسامح فضلا عن الانفتاح على الثقافات الأخرى. وأكد سموه على تكريس حرية الإعلام في البلاد من خلال كفالة حرية الرأي للجميع وتقريب الثقافات والديانات المختلفة دون المساس بالآخر. كما أشار سموه إلى أن الدولة عملت وتعمل على تنشيط دور الشباب في المساهمة الفاعلة في تحقيق مبادئ تحالف الحضارات، والى أن دولة قطر أولت مسألة الهجرة قدرا كبيرا من الأهمية لتحقيق التقارب بينها وكافة البلدان الأخرى في مختلف المجالات. وقال سموه: "إن التنوع الثقافي العالمي بما يحمله من قيم ومعتقدات يساعد على البناء ويؤدي إلى الاستقرار والتفاهم والتقارب بين الشعوب"، لذلك ينبغي استثمار هذا التنوع الثقافي في محاربة الفقر والجهل والأمية، ومواجهة مختلف التحديات الراهنة لتحقيق أقصى غايات التنمية نظرا للارتباط الوثيق بين الثقافة والتنمية.
    وأكد "أن الشباب لديه القدرة النافذة على التحالف والاختيار والتغيير والإبداع والابتكار ولنا في الربيع العربي خير دليل".


    وفي كلمته أمام المنتدى الخامس للأمم المتحدة لتحالف الحضارات الذي عقد بفيينا في شهر فبراير 2013 تحت شعار "تعزيز القيادة المسؤولة في مجال التنوع والحوار"، أكد صاحب السمو الأمير الوالد على أهمية العمل الدؤوب من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة والتصدي لكل التيارات الهدامة التي تعمل على نشر الكراهية والتطرف والعنف وسد آفاق الحوار والتحالف بين الحضارات. وفي تنبيه ضروري لانتقال هذه الحقائق من الأقوال إلى الأفعال أضاف سموه: إن الامتحان الرئيس في هذا ليس في ما نقوله في المؤتمرات بل في التصدي لمثل هذه الأفكار الهدامة داخليا ، حين تتخذ شكلا ديماغوجي ا سياسية تحرج الحكام، وحين يتناقض منعها مع حرية التعبير نحتاج الى وسائل تثقيفية، أو حتى إيجاد وسائل قانونية جديدة للتصدي لها.


    وأطلقت سمو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، ومبعوث اليونسكو الخاص للتعليم الأساسي والعالي، عددا من المبادرات المتعلقة بتحالف الحضارات، كان آخرها مبادرة )علم طفلا ( التي أطلقتها في الرابع عشر من نوفمبر 2012 م وهي مبادرة عالمية تستهدف خفض عدد الأطفال المحرومين من التعليم الأساسي في مختلف أنحاء العالم، مؤكدة على أن: "حرمان الأطفال من التعليم هو حرمانهم من الحق في الحياة".


    وفي كلمتها أمام الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الفريق رفيع المستوى للأهداف الإنمائية للألفية بمقر الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2010 م قالت سموها: "إن شغفي هو توفير التعليم للجميع، بصرف النظر عن الجنس أو المكان أو الظرف"، وأن "من يهاجمون التعليم ويعرقلون الحصول عليه أعداء الحضارة ويشكلون عقبة أمام الحق في التعليم.."، كما أكدت "أن التعليم هو المفتاح الذي يحرر الطاقات لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية للجميع"، وأشارت إلى أهمية جعل أهداف التحالف بين الحضارات، التي تشمل السلام والازدهار والتلاقي الثقافي، أهدافا رئيسية أيضا للأهداف الإنمائية للألفية "فمن دون تحقيق العدالة سيظل السلام والأمن والتفاهم وهما ".


  3. رؤية قطر الوطنية 2030 م:

     

    أولت رؤية قطر الوطنية اهتماما ككبيرا لحوار الحضارات ولمسائل التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى وتشجيع الحوار البناء والانفتاح على الثقافات الأخرى، وللدور الهام الذي تلعبه الدولة في الشراكة العالمية من أجل التنمية. فقد دعت إلى "رعاية ودعم حوار الحضارات والتعايش بين الأديان والثقافات المختلفة" والى "المساهمة في تحقيق الأمن والسلم العالميين من خلال مبادرات سياسية ومعونات تنموية وانسانية".


    وأكدت الرؤية على "بناء نظام تعليمي يواكب المعايير العالمية العصرية ويوازي أفضل النظم التعليمية في العالم، ويؤكد على تعزيز التماسك الاجتماعي واحترام قيم المجتمع القطري وتراثه، ويدعو إلى التعامل البناء مع شعوب العالم". وشددت الرؤية على أن "اجتذاب التركيبة المناسبة من المهارات والاحتفاظ بها يقتضي توفير حوافز مناسبة ووضع إجراءات تنظيمية لحفظ حقوق العمالة الوافدة وتأمين سلامتها". كما أكدت على "بناء نظام شامل للرعاية الصحية يواكب أفضل المعايير العالمية ويمكن جميع السكان من الوصول إليه والانتفاع بخدماته"، مما يوفر للشباب بيئة صحية تساعد على تنمية قدراتهم المختلفة ويشجعهم على الإبداع والابتكار.


  4. استراتيجية التنمية الوطنية 2011 - 2016 م:

     

    تحدد استراتيجية التنمية الوطنية النشاطات والنتائج التي تحقق أهداف رؤية قطر الوطنية. فقد جاءت إحدى النتائج القطاعية لقطاع التنمية الاجتماعية السليمة عنوان: "تعزيز الدبلوماسية الثقافية وزيادة التبادل الثقافي" حيث أكدت على الدور الرئيسي الذي تؤديه دولة قطر "في تشجيع الحوار والتسامح الديني بمبادرات إقليمية ودولية مختلفة" وأشارت إلى أن الحكومة "ستعمل على تميّز صورة دولة قطر في المحافل الدولية، وأن مواصلة اجتذاب المناسبات والمعارض الثقافية الدولية الرئيسية إلى الدوحة سيعزز صورة دولة قطر كمركز ثقافي، وسيضع البلاد في مركز أفضل لتولي دور قيادي أكبر في المجتمع العالمي".


    وقد تضمنت الاستراتيجة أهدافا وأنشطة تفصيلية تنفذ خلال السنوات الخمس للاستراتيجية، بما فيها تلك المتعلقة بمجالات تحالف الحضارات )التعليم والشباب والهجرة والإعلام(. فقد أكدت الاستراتيجة على الموازنة بين الحداثة والتقاليد، وعلى بناء نظام تعليمي على مستوى عالمي من خلال التوسع في استقطاب المؤسسات التعليمية العالمية المشهورة واستثمار التطبيقات الدولية وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية، وتشجيع التنوع والاختيار بين المدارس والبرامج التعليمية، وتسهيل التحاق أبناء الوافدين بالمدارس المستقلة وغيرها. وفي مجال الشباب أكدت الاستراتيجة على تحفيز الشباب للاستفادة من الفرص الكثيرة المتاحة للتعليم والتدريب، ودعم مشاركتهم في الثقافة وزيادة تقديرهم لها، والعناية بالموهوبين منهم، إلى جانب اهتمامها بالرياضة والارتقاء بمستواها إلى حد التميز. كما أولت اهتماما خاصا لتوفير إعلام أفضل للتعزيز الثقافي، وتحسين المعلومات والاتصالات بشأن الثقافة. وفيما يتعلق بالهجرة فقد تعرضت الاستراتيجية إلى جملة من المسائل المتعلقة بالعمالة الوافدة، ولاسيما إعادة النظر في سياسة استقدام هذه العمالة وما يرتبط بها من تشريعات ولوائح خاصة بالكفالة والترخيص، وتعديل قوانين العمل وفقا للحاجة، لحماية حقوق جميع العاملين وضمان سلامتهم ضمن إطار شامل للحماية الاجتماعية، بما يتسق مع القواعد والمعايير الدولية.


  5. خطة عمل منظمة التعاون الإسلامي لتحالف الحضارات ) 2012 - 2014 م(:

     

    انضمت دولة قطر إلى منظمة التعاون الإسلامي )منظمة المؤتمر الإسلامي( عام 1970 م بوصفها أكبر تجمع للدول الإسلامية في العالم ونالت العضوية الكاملة فيها. وتشارك دولة قطر بشكل فعال في أعمال المنظمة، وقد استضافت الدوحة القمة التاسعة لهذه المنظمة الدولية عام 2000 م، كما استضافت القمة الطارئة عام 2003 م. وتلتزم قطر بما يتم الاتفاق عليه في إطار المنظمة، وقد أكدت خطة منظمة التعاون الإسلامي لتحالف الحضارات على مد جسور التواصل، وانهاء مظاهر الفرقة بين المسلمين والغرب من خلال الحوار والالتزام المتواصلين من أجل تحقيق التعايش السلمي والتسامح إزاء التنوع في واقع العولمة الجديد، والتصدي لمظاهر الكراهية والتحريض على أساس الدين والعقيدة، ومحاربة التطرف.

    • ففي مجال التعليم أوجبت الخطة على الحكومات، والمؤسسات متعددة الأطراف وعلماء التربية وواضعي السياسات، العمل على تطوير تعليم كوني يراعي تعدد الثقافات وحقوق الإنسان. وأكدت على ضرورة تطبيق برامج محو الأمية الإعلامية في المدارس، وعلىمراجعة المناهج التعليمية بحيث تضمن الانسجام مع مبادئ النزاهة والدقة والتوازن في مناقشة المعتقدات الدينية وتضمن عدم احتقار أي معتقد أو أتباعه.
    •  

    • وفي مجال الشباب أكدت الخطة على إعطاء الأولوية لتبادل الزيارات المطولة والزيارات الجماعية والتبادلات المدعمة بشكل يسمح بمشاركة كافة فئات المجتمع ولا يقتصر على النخب. كما دعت المانحين المسلمين والغربيين للعمل معا لإحداث صندوق ثقافي، والعمل في إطار شبكات لربط الفنانين والكتاب والموسيقيين وصانعي الأفلام المسلمين والشباب وغيرهم مع نظرائهم وقادة الصناعة الثقافية في الغرب.
    •  

    • وفيما يتعلق بالهجرة، فقد دعت الخطة قادة الجاليات المهاجرة والجهات المسؤولة في الدول المضيفة للتعاون في إنتاج مواد إعلامية بهدف تعزيز احترام التنوع والعلاقات الطيبة بين المجتمعات. كما دعت المانحين إلى زيادة التمويل المخصص للحوار وتنظيم المجتمع داخل أوساط الجاليات المهاجرة. وطالبت الحكومات بالمشاركة في المنتدى العالمي حول الهجرة والتنمية لبلورة فهم مشترك في مجالات وضع سياسات الهجرة.
    •  

    • أما فيما يتعلق بوسائل الإعلام، فقد طالبت الخطة مهنيي الإعلام بتطوير مواثيق شرف مهنية وتفصيلها وتطبيقها. ودعت القادة في الميادين الأكاديمية والدينية والسياسية والثقافية والمجتمع المدني إلى إنتاج وسائط إعلامية تهدف إلى تحسين مواقف عامة الناس من مختلف الثقافات. كما دعت إلى الشروع في مبادرة تضامنية ومتبادلة لرصد تغطية الوسائط الإعلامية للعلاقات بين الغرب والإسلام، وطالبت المانحين بإنشاء "صندوق أخطار" للتخفيف من ضغط قوى السوق التي تشجع المواد الثقافية والإعلامية النمطية الهادفة إلى الإثارة.

    إضافة إلى المنطلقات أعلاه، فقد تم الاعتماد على وثائق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" الخاصة بالتنوع الثقافي والتسامح، ودور الإعلام في تعزيز التفاهم الدولي، ومناهضة العنصرية والفصل العنصري، ومن ضمن هذه الوثائق:


      إعلان اليونسكو لعام 1978 م بشأن المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري، والتحريض على الحرب.
    • إعلان المبادئ بشأن التسامح الصادر عن اليونسكو بتاريخ 16 يونيو 1995 م.
    • إعلان اليونسكو بشأن التنوع الثقافي لعام 2000 م.